محمد بن أحمد الفرغاني

58

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

تعالى ، ويشبه أن يكون قدمه كناية عن آخر صورة من صور تعيّناته الكاملة وتنوّعات ظهوره الكلية الشاملة تعالى وتقدّس بملابسة أن القدم آخر شيء من الصورة ، وذلك بحكم تحلّة القسم : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [ مريم : الآية 71 ] ، أو لإزالة أخفى بقية من بقايا الأحكام الانحرافية النسبية المنتشئة بأذيال جمعيته من تفاصيل أجزائه من حيث كونه كلّا ، أو لإعطاء كل ذي حقّ حقه لكمال تحقّقه بالجمعية الحقيقية ، وإلى نحو هذا المعنى إشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم حكاية عن جهنم : « جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي » « 1 » ، فاعلم ذلك فهذا الاسم من جهة العظمة والهيبة المذكورة من توابع الحيّ ، ومن جهة الإصلاح والردّ المذكور من توابع القادر . ومن توابعه أيضا ( الاسم الملك ) الذي له كمال الغلبة والاستيلاء والاستقلال بالتصرف في ملكه كما يشاء بمنع سطوة بعض أهل مملكته عن بعض ، ومجازاتهم على قدر ما يدينون به إن خيرا فخير ، وإن شرّا فشر ، ورعاية مصالحهم وإعطاء كل ذي حقّ حقّه وتخليصه له ، ولمّا كانت الدنيا دار تسبّب ووساطة في الأمور كلها ، بحيث تكون إضافة الأحكام والتأثيرات إلى الأسباب ظاهرة ، وإلى مسبّبها باطنة ، كان حكم انفراد الحقّ تعالى بالملك والاستقلال فيها باطنا ، بحيث يتمكن كل واحد منهم من ادّعاء المشاركة معه فيه ، بل دعوى الاستقلال به . وأما الدار الآخرة ، فهي دار كشف وظهور كل شيء على ما هو عليه ، فلا جرم يظهر له ذلك مخلصا من شوب توهّم المشاركة فيه ، وذلك عند قوله تعالى : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : الآية 16 ] ، فلذلك خصّص ملكه بيوم الدين على أنه لا غلبة ولا استيلاء في الدارين إلّا له . ومن توابع الملك ( اسم العزيز ) الذي هو الغالب لا يجد المغلوب معه وجه دفاع ولا انفلات ولا يعجزه شيء في إنفاذ أحكامه كلّها ، وهو الذي يمتنع الوصول إليه إلّا به ، ومن توابع الملك ( اسم المقتدر ) الذي يتمكن من التأثير والفعل ، لكن بتسبّب ووساطة من الأرواح والملائكة على نحو اقتدار الملك بوساطة الجند والأعوان ، ولهذا قرن المقتدر بالمليك في قوله تعالى : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) [ القمر : الآية 55 ] .

--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن يعلى بن منبّه ، حديث رقم ( 668 ) [ 22 / 258 ] ؛ والديلمي في الفردوس برقم ( 2365 ) [ 2 / 65 ] .